الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

322

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

وتعقب : بأنه لا ترضى نسبته - صلى اللّه عليه وسلم - إلى ذلك ، لما يلزم عليه من تفضيل الملائكة بعدم الفترة عن التسبيح والمشاهدة ، ولقوله - صلى اللّه عليه وسلم - : « لست أنسى ولكن أنسى لأسنّ » « 1 » فهذه ليست فترة وإنما هي لحكمة مقصودة يثبت بها حكم شرعي ، فالأولى أن يحمل على ما جعله علة فيه ، وهو ما دفع إليه من مقاساة البشر وسياسة الأمة ، ومعاناة الأهل ، وحمل كل أعباء النبوة وحمل أثقالها . انتهى . وقيل : الغين شيء يعترى القلب مما يقع من حديث النفس ، قال الحافظ شيخ الإسلام ابن حجر : وهذا أشار إليه الرافعي في أماليه ، وقال : إن والده كان يقرره . وقيل : كانت حالة يطلع فيها على أحوال أمته فيستغفر لهم . وقيل : هو السكينة التي تغشى قلبه ، والاستغفار لإظهار العبودية للّه تعالى ، والشكر لما أولاه . وقال شيخ الإسلام ابن العراقي أيضا : هذه الجملة حالية ، أخبر - صلى اللّه عليه وسلم - أنه يغان على قلبه مع أن حاله الاستغفار في اليوم مائة مرة ، وهي حال مقدرة ، لأن الغين ليس موجودا في حال الاستغفار ، بل إذا جاء الاستغفار أذهب ذلك الغين . قال : وعلى تقدير تعلق إحدى الجملتين بالأخرى ، وأن الثانية مسببة عن الأولى ، فيحتمل أن يكون هذا الغين تغطية للقلب عن أمور الدنيا ، وحجابا بينه وبينها ، فينجمع القلب حينئذ على اللّه تعالى ويتفرغ للاستغفار شكرا وملازمة للعبودية ، قال : وهذا معنى ما قاله القاضي عياض ، انتهى ومراده قوله في « الشفاء » : وقد يحتمل أن تكون هذه الإغانة حالة خشية وإعظام تغشى قلبه فيستغفر حينئذ شكرا للّه تعالى ، وملازمة لعبوديته إلى آخر كلامه . قال الشيخ ابن العراقي : وهو عندي كلام حسن جدّا ، وتكون الجملة

--> ( 1 ) ضعيف : أخرجه مالك في « الموطأ » ( 1 / 100 ) بلاغا ، وهو أحد الأحاديث الأربعة التي قال عنها ابن عبد البر في « التمهيد » التي لا يوجد في غيره مسندة ولا مرسلة ، انظر « التمهيد » لابن عبد البر ( 24 / 375 ) .